القاضي عبد الجبار الهمذاني
368
المغني في أبواب التوحيد والعدل
ويأخذون العهود والمواثيق ، على ستره وكتمانه ، فلا تعرف مع ذلك أغراضهم ، وقصودهم ؛ فكيف يوثق بقولهم ! ، ولعلهم يذكرون الحجة ، ويريدون الشبهة ، ويذكرون الأئمة ويريدون غيرهم ، وهذا يوجب العدول عن مناظرتهم ، وترك الثقة بمكالمتهم ، ولذلك تقل الثقة بما يظهر عنهم ، إلا ما يظهر عمن يعلم خروجه ، عن طريقتهم باستمرار الزمن الطويل عليه . وقد بينا من قبل : أن لا حجة في الزمان ، وأن الّذي يدعون من إثبات إمام معصوم لا يصح ؛ وأنه لو صح لكان لا يصح في هذا العصر ؛ فلو كان لا يعرف الباطن إلا من قبل الحجة لما عرف أصلا ! ، وكيف يعرف على قولهم ، نفس الحجة ، ليمكن معرفة الباطن من قبله ! ! . فإن قالوا : يعرف بالمعجز . قيل له : فكيف يصح الاستدلال بالمعجز وقد بينا : أنه إنما يدل لوقوعه موقع التصديق ، وإذا كان التصديق عندهم لا يدل فما يقع موقعه كمثل . وإن قالوا : بنص الرسول عليه ، فيجب أن يكون لنصه على قولهم باطن ، وفي هذا إبطال سائر ما يتعلقون به . . وقد بينا : أن الحجة - لو ثبتت - كان لا بدّ من أن يعرف الباطن بالقرآن ، أو السنة ، دون غيرهما ؛ وهذا يوجب أن الباطن هو الظاهر ، لأن جميعهم يمكنهم أن يعرفه ؛ وقولهم في إثبات الباطن امتحانا ، وتنبيها على قدر العلماء ، فلا بدّ من تثبيته ، بعيد ؛ لأن قدر العلماء قد يظهر ، وإن لم يثبت الباطن ؛ لأن ما يدل عليه القرآن قد تتباين أحوال الناس فيه ، بحاجتهم في معرفتهم ، إلى العلم بما يجوز على اللّه تعالى ، وما لا يجوز ، وباللغة ومواقعها ، فلا يصح ما ادّعوه ، ولا ينفصلون ممن ادّعى لباطنهم باطنا ، وجعله ظاهرا ، ليكون الامتحان أعظم ، والتنبيه على رتبة العلماء آكد .